وهبة الزحيلي
59
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والواضح أن هذه الخصائص تكون ما دام بنو إسرائيل عاملين بأصل شريعتهم وبكتابهم المنزل غير المبدل ولا المحرف ، والذي فقد ولم يعد له وجود ، ومضمون التوراة في الوضع الأصلي يلتقي مع مضمون القرآن ، فإذا ما انحرفوا عن العقيدة الصحيحة والشريعة المنزلة ، زالت عنهم هذه الخصائص . فقه الحياة أو الأحكام : تبين من الآيات ما يأتي : 1 - القرآن العظيم أبان الحق من الباطل ، والحلال من الحرام ، وقصص الأنبياء ، ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا ينتفع من هديه إلا القوم المصدقون به ، الذين يعلمون أنه من عند اللّه . 2 - يجب اجتناب الاستعلاء في الأرض ، والتعزز بكثرة الأتباع ، وهما من سيرة فرعون وقارون . وكانت قصتهما حجة على مشركي قريش وأمثالهم ، فكما أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره ، فكذلك قرابة قريش لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . 3 - كان علو فرعون وتجبره من كفره ، وكانت ممارسات ظلمه وعتوه كثيرة متنوعة ، فكان يستذل طائفة من بني إسرائيل ، يذبح أطفالهم الذكور ، ويترك الإناث أحياء ، إهانة لهم واحتقارا ، وكان من البغاة المفسدين في أرض دولته . والظلم والكبرياء سبيل الدمار والهلاك ، فأهلكه اللّه ، ونجّى بني إسرائيل من العسف والطغيان . 4 - كافأ اللّه المستضعفين من بني إسرائيل ، وشأنه دائما الرفق بالضعفاء ، فأنقذهم من بأس فرعون ، وجعلهم ولاة وملوكا ، كما قال تعالى : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [ المائدة 5 / 20 ] ، وورّثهم ملك فرعون فسكنوا مساكن القبط المصريين ، كما قال سبحانه : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف 7 / 137 ] ، وأقدرهم على أرض مصر والشام وأهلها ، فاستولوا عليها ، وأراد