وهبة الزحيلي
52
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
نقاش انتهى بتبرئهم من عبادتهم ، وإيراد الأدلة المتضافرة لإثبات قدرة اللّه على الخلق والإيجاد والبعث والإعدام . كما أن هناك ربطا من وجه آخر بين سورتي النمل والقصص ، فقد أوجز هنا ما فصّل في السورة المتقدمة من إهلاك قوم صالح وقوم لوط ، ومن بيان مصير من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة . ما اشتملت عليه السورة : تلتقي هذه السورة مع ما سبقها من سورتي الشعراء والنمل في بيان أصول العقيدة : التوحيد والرسالة والبعث في ثنايا قصص الأنبياء ، وإيضاح الأدلة المثبتة لهذه الأصول في قضايا الكون وعجائبه البديعة ونظمه الفريدة . وكان الطابع الغالب على هذه السورة تبيان قصة موسى مع فرعون التي تمثل الصراع بين طغيان القوي وضعف الضعيف ، لكن الأول على الباطل والثاني على الحق ، وأعوان الباطل هم جند الشيطان وأعوان الحق هم جند الرحمن . كان فرعون معتمدا على سلطانه وقوته وثروته ، فطغى وبغى ، واستعبد شعب بني إسرائيل ، وزاد في غلوه أنه ذبح الأبناء ، واستحيا النساء ، وادعى الربوبية ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص 28 / 38 ] وأفسد في الأرض . واستوجب ذبح الأطفال إلقاء موسى في اليم ، والتقاط آل فرعون له ، ثم رده إلى أمه ، ثم تربيته في قصر فرعون ، إلى أن بلغ أشده وصار رشيدا قويا ، فقتل قبطيا قتلا خطأ ، فهرب من مصر إلى أرض مدين ، فتزوج بابنة شعيب عليه السلام ، ومكث راعيا ماشيته عشر سنين ، ثم عاد إلى مصر ، فناجى ربه في الطور ، وأيده اللّه بمعجزات أهمها معجزة العصا واليد ، فبلغ رسالة ربه ، لكن كذبه فرعون وقومه علوا واستكبارا ، فأغرقهم اللّه في البحر .