وهبة الزحيلي

233

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فيها من المؤمنين والكافرين ، وإنا لننجي لوطا وأهله وأتباعه المؤمنين به من الهلاك إلا امرأته ، فهي من الهالكين ؛ لأنها كانت تمالئ القوم على كفرهم وبغيهم وخبائثهم . ثم قدموا على لوط فدخلوا عليه في صورة شبان حسان ، فلما رآهم ضاق بهم ، كما حكى تعالى : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ، وَقالُوا : لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ ، إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي ولما جاءت الملائكة الرسل إلى لوط على صورة بشر حسان الوجوه ، اغتم بأمرهم ، وخاف عليهم من قومه ، فقالوا له معرضين بحالهم : لا تخف علينا ، ولا تحزن بما نفعله بقومك الأخباث ، وإنا جئنا لتعذيبهم ، وإنا منجّوك وأتباعك المؤمنين من العذاب ، إلا امرأتك ، فإنها من الهالكين ؛ لتواطئها معهم على الفساد ، فكانت تدلهم على ضيوفه ، وكانت تدافع عنهم ، وترضى بأفعالهم . ثم وصفوا العذاب بقولهم : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي إننا سننزل على أهل قرية « سدوم » عذابا شديدا عظيما من السماء ، تضطرب له نفوسهم ، بسبب فسقهم . وكان العذاب هو الزلزلة التي خسفت بهم الأرض ، وصار مكان قريتهم بحيرة لوط ( البحر الميت ) فاقتلع جبريل عليه السلام قراهم من قرار الأرض ، ثم رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل اللّه الحمم وحجارة من سجيل منضود ، مسوّمة عند ربك ، وما هي من الظالمين ببعيد ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد ، ولهذا قال تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي ولقد تركنا من القرية