وهبة الزحيلي

23

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الشك في كمال القدرة أو في كمال العلم ، فإذا ثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل إنسان عن أجزاء بدن غيره ، وثبت أنه قادر على إعادة التركيب والحياة إلى تلك الأجزاء ، وإذا ثبت إمكان ذلك ، ثبت صحة القول بالحشر أو المعاد . التفسير والبيان : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا ، أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ أي وقال المشركون منكرو البعث ، الذين كفروا باللّه وكذبوا رسله : أنخرج من قبورنا أحياء ، بعد مماتنا ، وبعد أن بليت أجسادنا وصارت ترابا ؟ فهذا حكاية لاستبعادهم إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتا وترابا . لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ أي ما زلنا نسمع كثيرا بهذا نحن وآباؤنا ، ولا نلمس له حقيقة ولا وقوعا ولم نر قيام أحد بعد موته ، والمراد أن هذا تاريخ غابر محكي ، أكل عليه الدهر وشرب . إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا الوعد بإعادة الأبدان إلا أسطورة ، أي خرافة وأكذوبة ، يتناقلها الناس عن بعضهم ، وليس لها حقيقة ، ولم يقم عليها دليل مقبول . ثم أرشدهم اللّه تعالى إلى الصواب في ذلك وعما ظنوا من الكفر وعدم المعاد بصيغة الوعيد والتهديد ، فقال : قُلْ : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي قل لهم أيها الرسول : سيروا في أرض الحجاز والشام واليمن وغيرها ، فانظروا مصير من سبقكم من المكذبين ، إنهم اغتروا بدنياهم ، وفتنوا بزخارفها ، وكذبوا رسلهم ، وأنكروا وجود البعث ، فأهلكهم اللّه بذنوبهم ، وبقيت ديارهم آثارا شاهدة عليهم للعبرة والعظة ، ونجى اللّه رسله ومن اتبعهم من المؤمنين ، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته من الإيمان باللّه