وهبة الزحيلي

216

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

مذكورا ، وزودهم بالقدرة الجسدية وبطاقات المعرفة من السمع والبصر والفؤاد ، فإن الذي بدأ هذا قادر على إعادته ، فإنه سهل عليه ، يسير لديه ، بل هو أهون عليه ، كما قال سبحانه : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم 30 / 27 ] . وبعد إثبات المعاد بالدليل المشاهد في الأنفس ، لفت اللّه تعالى النظر إلى آياته في الآفاق ، فقال : قُلْ : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قل يا محمد : سيروا أيها المنكرون للبعث في الأرض ، فانظروا كيف بدأ اللّه خلق السماوات وما فيها من الكواكب النيّرة الثوابت والسيارات ، والأرضين وما فيها من جبال ومهاد ووديان وبراري وقفار ، وأشجار وأثمار ، وأنهار وبحار ، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها ، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار . وذلك كقوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت 41 / 53 ] وقوله سبحانه : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ؟ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، بَلْ لا يُوقِنُونَ [ الطور 52 / 35 - 36 ] . هذا هو المتفرد بالخلق ، وذلك دليل على وجوده ، ومن قدر على الخلق قدر على الإعادة وإنشاء النشأة الآخرة يوم القيامة ، فإن اللّه قدير على كل شيء ، ومنه البدء والإعادة . وقد عبر أولا بلفظ المستقبل كَيْفَ يُبْدِئُ للدلالة على القدرة المستمرة ، ثم عبّر بلفظ الماضي كَيْفَ بَدَأَ للعلم بما بدأ . ويلاحظ أنه تعالى قال أولا أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ بصيغة الاستفهام ، ثم قال : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ بصيغة الأمر ؛ لأن الآية الأولى إشارة إلى العلم الحدسي : وهو الحاصل من غير طلب ، والآية الثانية إشارة إلى