وهبة الزحيلي

210

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً ، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [ الحاقة 69 / 11 - 12 ] . والضمير في قوله : جَعَلْناها عائد إلى السفينة المذكورة . فقه الحياة أو الأحكام : هذا عرض موجز جدا لقصة نوح مع قومه ، فصلت في مواضع أخرى كثيرة من القرآن الكريم . وقد دلت مع هذا الإيجاز على العظة المؤثرة منها ، فإنها ذكرت تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم لما أسف على إعراض قومه عن دعوته ، فأخبره اللّه تعالى بأن الأنبياء قبلك ابتلوا بالكفار من أقوامهم فصبروا ، وخص نوحا بالذكر أولا ؛ لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض ، بعد أن امتلأت كفرا ، وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح عليه السلام ، كما تقدم في سورة هود . روى ابن عساكر عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أول نبي أرسل نوح » . واختلف في عمره ، قال الحسن البصري : لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض روحه قال : يا نوح كم عشت في الدنيا ؟ قال : ثلاث مائة قبل أن أبعث ، وألف سنة إلا خمسين عاما في قومي ، وثلاث مائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان ، قال ملك الموت : فكيف وجدت الدنيا ؟ قال نوح : مثل دار لها بابان ، دخلت من هذا ، وخرجت من هذا . وبالرغم من هذه المدة الطويلة في الدعوة إلى توحيد اللّه ، لم يؤمن برسالة نوح عليه السلام إلا فئة قليلة . وظهر في القصة بنحو ملحوظ مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، أما الأوائل فقد نجاهم اللّه في السفينة التي كان نوح قد صنعها ، فركبوا فيها ونجوا من الغرق ، وأما الكافرون المكذبون فقد أغرقهم اللّه جميعا ، وجعل اللّه السفينة أو العقوبة أو النجاة عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ .