وهبة الزحيلي

19

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ينبغي ، وإذا سألوا عن وقت مجيء القيامة فليس الأمر كذلك ، فهم في شك منها بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي فهم في الحقيقة في شك وحيرة عظيمة من حصول القيامة ، كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلا بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم ، وهو جمع عم : وهو أعمى القلب والبصيرة ، وهو أبلغ مما قبله . المناسبة : بعد أن بيّن اللّه تعالى أنه المختص بالقدرة التامة الفائقة العامة ، أتبعه بما هو أيضا من لوازم الألوهية وهو أنه المختص بعلم الغيب ، فثبت أنه هو الإله المعبود ؛ لأن الإله هو المتمكن من المجازاة لأهل الثواب والعقاب . التفسير والبيان : قُلْ : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ أي قل أيها الرسول لجميع الخلق : لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا اللّه . فقوله : إِلَّا اللَّهُ استثناء منقطع ، أي لا يعلم أحد ذلك إلا اللّه عز وجل ، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له ، كما قال : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام 6 / 59 ] وقال : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ لقمان 31 / 34 ] . روى مسلم وابن أبي حاتم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : من زعم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعلم ما يكون في غد ، فقد أعظم الفرية على اللّه ؛ لأن اللّه يقول : قُلْ : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . ولما نفى عنهم علم الغيب على العموم ، نفى عنهم علم الغيب المخصوص بوقت الساعة فصار منتفيا مرتين ، فقال : وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي وما يدري أهل السماوات والأرض بوقت