وهبة الزحيلي
182
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ونجاة موسى عليه السلام مع قومه ، ونصره على الطغاة وإغراقهم ، كما ذكر اللّه قصة قارون الباغية وعقابه بالخسف . وفي هذه السورة ذكر اللّه قصة المسلمين في مكة الذين فتنهم المشركون عن دينهم ، وعذبوهم على الإيمان بنحو أقل من تعذيب فرعون بني إسرائيل ، حثا لهم على قوة التحمل والصبر ، وتسلية لهم بما وقع لمن قبلهم ، ثم ذكر نجاة نوح عليه السلام في سفينته مع جند الإيمان ، وإغراق قومه الذين كذبوه . كما أن بين السورتين تشابها في الإشارة إلى موضوع الهجرة ، ففي خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ وفي خاتمة هذه السورة الإشارة إلى هجرة المؤمنين : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [ 56 ] . وكذلك يوجد ارتباط بين السورتين في تحديد الغاية والغرض ، ففي سورة القصص بيان العاقبة المحمودة للمتقين المتواضعين : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ 83 ] وفي هذه السورة تقرير العاقبة الحسنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها ، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [ 58 ] . ثم إنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وأعقبه بما يبطل قول منكري الحشر : لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ رد في مطلع هذه السورة على منكري الحشر القائلين : لا فائدة في التكاليف إذ لا مرجع بعد الهلاك والزوال ، ومضمون الرد أن للتكليف فائدة وهي أن يثيب اللّه الشكور ويعذب الكفور .