وهبة الزحيلي
174
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وَجْهَهُ : مستثنى منصوب . ويجوز فيه الرفع على الصفة ، وتكون إِلَّا بمعنى غير ، مثل : قام القوم إلا زيد ، بالرفع على الوصف ، كقولهم : قام القوم غير زيد ، وكقول الشاعر : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان أي غير الفرقدين . البلاغة : إِلَّا وَجْهَهُ مجاز مرسل ، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل ، أي ذاته المقدسة . المفردات اللغوية : فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أنزله عليك ، وأوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي بلده مكة ، فكأن اللّه تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظافرا منتصرا ، علما بأن السورة مكية . وقيل : المعاد : هو المقام المحمود الذي وعده ربه أنه يبعثه فيه يوم القيامة ، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة . أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى أَعْلَمُ بمعنى عالم ، و مَنْ منتصب بفعل يفسره : أعلم ، أي فالنبي هو الجائي بالهدى ، جوابا لقول كفار مكة : إنك في ضلال ، والحقيقة أنهم هم في ضلال الْكِتابُ القرآن إِلَّا رَحْمَةً أي لكن ألقي إليك رحمة من ربك ، أي لأجل الترحم ظَهِيراً معينا وناصرا لِلْكافِرِينَ على دينهم الذي دعوك إليه ، بمداراتهم ، والتحمل منهم ، والإجابة إلى طلبهم . وَلا يَصُدُّنَّكَ أصله : ولا يصدونك ، حذفت نون الرفع للجازم ، والواو الفاعل ؛ لالتقائها مع النون الساكنة عَنْ آياتِ اللَّهِ أي عن قراءتها والعمل بها . بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي لا ترجع إليهم في ذلك وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي وادع الناس إلى توحيده وعبادته وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بإعانتهم ، علما بأنه لم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه وَلا تَدْعُ تعبد هالِكٌ معدوم إِلَّا وَجْهَهُ إلا ذاته لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالنشور من قبوركم .