وهبة الزحيلي

159

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أُوتِيتُهُ أي المال . عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي معرفة مني ومهارة في اكتساب المال ، قيل : إنه علم التجارة . مِنَ الْقُرُونِ الأمم . وَأَكْثَرُ جَمْعاً للمال . وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ سؤال استعلام ، فإنه تعالى مطلع عليها ، معاقبهم عليها لا محالة . المناسبة : بعد تقريع المشركين وتوبيخهم ، ذكر اللّه تعالى قصة قارون لبيان عاقبة الكافرين والمتجبرين في الدنيا والآخرة ، فقد أهلك قارون بالخسف والزلزلة ، وهو في الآخرة كالمشركين من أهل النار . أضواء من التاريخ على قصة قارون : عرفنا أن قارون هو ابن يصهر بن قاهث جدّ موسى ، فهو ابن عمه ، وقال ابن عباس : وكان أيضا ابن خالته . وكان يسمى المنوّر لحسن صورته ، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم ، فنافق كما نافق السامري ، فأهلكه البغي لكثرة ماله . فهو رجل من بني إسرائيل ، آتاه اللّه مالا كثيرا ، حتى إن مفاتيح خزائنه كان تنوء بحملها عصبة من الرجال . نصحه أهل الوعظ والإرشاد من قومه بالبعد عن البطر والتجبر والإفساد في الأرض ، وأن يستعمل ماله في مرضاة اللّه ، مع الانتفاع ببعضه في مصالح الدنيا بقدر الكفاية ، وألا ينفقه فيما يغضب اللّه تعالى ، حتى لا يتعرض لزوال النعمة ، فأبى الامتثال لنصح الناصحين ، وقال في ماله : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي والظاهر أنه جمعه بما لديه من ذكاء وخبرة في شؤون التجارة ، ولكنه غفل عن بطش اللّه بالمتجبرين المتكبرين من أمثاله في الأمم الغابرة الذين كانوا أشد منه قوة وأكثر جمعا للمال . وقد استبد به الكبر والخيلاء أن كان يخرج في موكب مهيب وزينة فاخرة باهرة ، فافتتن بعض الناس بمظاهره ، وتمنوا أن يؤتوا مثله من المال ، فقال لهم