وهبة الزحيلي

149

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ما نافية على الصحيح كما نقل عن ابن عباس وغيره ، ولأن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار ، وأنه لا نظير له في ذلك ، ولهذا نزّه تعالى نفسه في منازعة أحد في سلطانه ، فقال : سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها للّه وتقديسا وتعاليا عن إشراك المشركين ، وعن أن ينازعه أحد في اختياره وخلقه من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا . والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إلى اللّه تعالى ، ليس لأحد فيه شركة ومنازعة . ثم بيّن اللّه تعالى كون اختياره مبنيا على علم ثابت صحيح فقال : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ أي وربك أيها العبد المخلوق يعلم ما تخفيه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وسرائرهم من الكيد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعداوته ، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق ، كما قال : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ، وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [ الرعد 13 / 10 ] . وهذا العلم الشامل المطلق صادر ممن له خصائص الألوهية وكونه الإله الفرد الصمد ، فقال : وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هو المنفرد بالألوهية ، فلا معبود سواه ، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار غيره ، فهو العليم بكل شيء القادر على كل شيء . وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات ، لذا كان هو المستحق للحمد والشكر كما قال : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي إنه تعالى وحده المستحق للحمد والشكر ، والعبادة ، المحمود في جميع ما يفعله في الدنيا والآخرة ؛ لأنه بعدله وحكمته يمنح النعم ويفيض الخير على مخلوقاته .