وهبة الزحيلي
145
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إليه ، وهذا كما يسأل العبد في قبره : من ربّك ، ومن نبيك ، وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، وأما الكافر فيقول : هاه هاه لا أدري ، فلا جواب له يوم القيامة غير السكوت . وفي هذا إثبات النبوات ، وإعلان التوحيد ، والبراءة عن الآلهة المزعومة من أصنام وغيرها . فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ ، فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ أي فخفيت عليهم الحجج ، وعموا عن أوجه الدفاع عن أنفسهم يوم القيامة ، ولم يجدوا بدا من السكوت ، ولا يسأل بعضهم بعضا كما يسأل الناس في المشكلات ، لما اعتراهم من الدهشة والذهول ، ولتساوي الناس جميعا في عمى الأنباء عنهم والعجز عن الجواب ، حتى الأنبياء ، كما قال تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ، فَيَقُولُ : ما ذا أُجِبْتُمْ ، قالُوا : لا عِلْمَ لَنا ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة 5 / 109 ] فما ظنك بهؤلاء الضلال ؟ ! وسميت حججهم أنباء ( أخبارا ) لأنها أخبار يخبرونها . وبعد بيان الصورة القاتمة لحال هؤلاء المشركين وتوبيخهم ، ذكر اللّه تعالى حال التائبين ترغيبا في التوبة والبراءة عن الكفر ، فقال : فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ، فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي فأما الذين تابوا من المشركين ، وصدقوا باللّه وتوحيده ، وأخلصوا العبادة له ، وآمنوا بنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعملوا الأعمال الصالحة في الدنيا من فرائض وغيرها ، فهم ناجون فائزون برضوان اللّه ونعيمه في الجنة يوم القيامة . وعسى من اللّه على سبيل التحقق ، فإن هذا واقع بفضل اللّه ومنته لا محالة ، وأما من العبد فتوقع وترج أن يفلح ويفوز بما طلب . فقه الحياة أو الأحكام : تضمنت الآيات تنبيها وإنذارا مسبقا ، وتوبيخا ، وزجرا عن الكفر ، كي يتدارك الإنسان أمره في الدنيا ، كيلا يفاجأ بالمصير المشؤوم يوم القيامة .