وهبة الزحيلي
14
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، قُلْ : هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي أتلك الآلهة العاجزة خير ، أم الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق من غير مثال سبق ، ثم يميته ، ثم يعيده إلى الحياة الأولى مرة أخرى ، كما قال تعالى : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [ البروج 85 / 13 ] وقال : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم 30 / 27 ] وهو الذي يرزقكم بما ينزّل من السماء من أمطار ، وبما ينبت من بركات الأرض . أيوجد إله آخر فعل هذا مع اللّه حتى يتخذ شريكا له ؟ قل لهم أيها الرسول : قدّموا برهانكم على صحة ما تدّعون من عبادة آلهة أخرى إن كنتم صادقين في ذلك مع أنفسكم ومع غيركم . والواقع أنه لا حجة لهم ولا برهان يقبله عاقل ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [ المؤمنون 23 / 117 ] . قال أبو حيان : ناسب ختم كل استفهام بما تقدمه ، فلما ذكر العالم العلوي والسفلي وما امتنّ به من إنزال المطر وإنبات الحدائق ، ختمه بقوله : بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي عن عبادته أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق ، فلا يعبد إلا موجد العالم ، ولما ذكر جعل الأرض مستقرا وتفجير الأنهار وإرساء الجبال ، وكان ذلك تنبيها على ضرورة تعقل ذلك والتفكر فيه ، ختمه بقوله : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . ولما ذكر إجابة دعاء المضطر وكشف السوء واستخلافهم في الأرض ختمه بقوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره ، ولما ذكر الهداية في الظلمات وإرسال الرياح مبشرات ، ومعبوداتهم لا تهدي وهم يشركون بها ، ختمه بقوله : تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى « 1 » .
--> ( 1 ) البحر المحيط : 7 / 91 .