وهبة الزحيلي
125
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الكتب بمحمد وتطابق الأوصاف عليه . فقوله : مِنْ قَبْلِهِ أي قبل القرآن . و هُمْ بِهِ أي بالقرآن أو بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم أو بهما معا يصدّقون . وللآية نظائر كثيرة منها : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة 2 / 121 ] ، ومنها : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ [ آل عمران 3 / 199 ] ، ومنها : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ، وَيَقُولُونَ : سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء 17 / 107 - 108 ] . وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا : آمَنَّا بِهِ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أي وإذا قريء عليهم القرآن ، قالوا : صدقنا به ، وآمنا بأنه الكلام الحق الصدق الثقة من ربّنا ، وكنا مصدقين باللّه مسلمين له أي موحدين ، مخلصين للّه ، مستجيبين له ، من قبل نزول هذا القرآن ، أو من قبل بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا دليل على قدم إيمانهم ، لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدم النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فمدحهم تعالى بهذا المدح العظيم وقال : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول وهو كتابهم ، ثم بالثاني وهو القرآن لهم ثواب مضاعف مرتين ، جزاء صبرهم وثباتهم على الإيمانين ، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس ، فإنهم لم يأبهوا بإيذاء قومهم . ونظير الآية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد 57 / 28 ] ، وورد في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن