وهبة الزحيلي

107

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

غير فرعون صَرْحاً قصرا عاليا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أصعد وأرتقي ، ثم أنظر إليه وأوقف عليه ، كأنه توهم أنه لو كان ، لكان جسما في السماء يمكن الترقي إليه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه إلها آخر وأنه رسول . فِي الْأَرْضِ أرض مصر بِغَيْرِ الْحَقِّ بغير استحقاق لا يُرْجَعُونَ بالنشور فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِّ في البحر المالح ، فغرقوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ حين صاروا إلى الهلاك . وقوله : فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ قال البيضاوي : فيه تفخيم لشأن الآخذ ، واستحقار للمأخوذين ، كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف ، وطرحهم في اليم . أَئِمَّةً قادة ، قدوة للضلال يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يدعون إلى موجبات النار من الكفر والمعاصي وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم لَعْنَةً طردا عن الرحمة ، وخزيا الْمَقْبُوحِينَ المطرودين المبعدين المخزيين . الْكِتابَ هنا التوراة الْقُرُونَ الْأُولى قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط بَصائِرَ لِلنَّاسِ أنوار للقلوب في عصرهم ، تبصر بها الحقائق ، وتميز بين الحق والباطل وَهُدىً إلى الشرائع التي هي سبيل اللّه تعالى وَرَحْمَةً لمن آمن به ؛ لأنهم لو عملوا بالتوراة لنالوا رحمة اللّه يَتَذَكَّرُونَ يتعظون بما في ذلك الكتاب من المواعظ . المناسبة : قوبل موسى وهارون في دعوتهما القوية إلى توحيد اللّه تعالى بكفرين عظيمين : الأول - ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أي نفي إله غيره ، وادعاء ألوهية نفسه . والثاني : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أي محاولة الصعود والارتقاء إلى السماء لرؤية إله موسى . وكل من الأمرين جهل وعتو وطغيان واستكبار ، فكانت عاقبته الغرق في الدنيا ، والطرد من رحمة اللّه في الآخرة . وفي مقابل هذا الكفر آتى اللّه موسى التوراة نورا وهدى ورحمة .