وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المنزل عليه بالأساطير ، مع أنه دستور الحكمة والمدنية والحضارة والعلم والتشريع الأمثل للحياة الإنسانية . ثم أجابهم اللّه تعالى بقوله : قُلْ : أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قل لهم يا محمد النبي : أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين بصدق مطابق للواقع اللّه الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر . إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي إن هذا القرآن إنما نزل رحمة بالعباد ، فلا يكون سببا لتعجيل العقاب ، لذا لم يعاجلكم بالعقوبة رحمة بكم ؛ لأنه تعالى غفور رحيم ، يمهل ولا يعجل ، لتتوبوا وتقلعوا عن الكفر والشرك . فهذه دعوة لهم إلى التوبة والإنابة والإقبال على ساحة الإسلام والهدى ، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة ، وأن حلمه عظيم ، فمن تاب تاب اللّه عليه ، بالرغم مما صدر منهم من افتراء وكذب ، وكفر وعناد ، كما قال تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة 5 / 73 - 74 ] وقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ، فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ [ البروج 85 / 10 ] قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه ، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة . وهذا دليل على أن التوبة الصادقة تسقط الإثم والذنب وتجبّ ما قبلها من الذنوب ، فهي مغفورة كرما من اللّه تعالى ، وفضلا ورحمة .