وهبة الزحيلي

77

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والخلاصة : أنهم غير معذورين في عدم الاستجابة لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد أيده اللّه بدستور رفيع للحياة البشرية ، وليس له مطمع مادي في ملك ولا مال ولا جاه . ثم أبان اللّه تعالى صحة ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فقال : وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي وإنك يا محمد لتدعو الناس قاطبة ومنهم هؤلاء المشركون من قريش إلى الطريق المستقيم ، والدين القيم الصحيح ، وسبيل العزة والكرامة ، والخير والسداد والوسط ، وهو الإسلام العلاج الشافي لأدواء البشرية ، وحل المشكلات الدينية والدنيوية ، كما شهدت بذلك العقول السليمة ، والدراسات الحيادية المجردة من أعداء الإسلام وعباقرة العلم والمعرفة . وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ أي وإن المكذبين بالآخرة الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت لعادلون جائرون منحرفون عن هذا الطريق ؛ لأن طريق الاستقامة واحدة ، وما يخالفه فكثير . وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا ، وأزحنا عنهم الضر ، وأفهمناهم القرآن ، لما آمنوا به ولما انقادوا له ، ولتمادوا في ضلالهم ، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم ، وظلوا متحيرين مترددين ، كما قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال 8 / 23 ] . وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ ، وَما يَتَضَرَّعُونَ أي ولقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد ، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة ، بل استمروا على غيهم وضلالهم ، وما خشعوا وما خضعوا لربّهم ، وما دعوا ولا تذللوا ، كما قال تعالى : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنعام 6 / 43 ] .