وهبة الزحيلي

43

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ، نَمُوتُ وَنَحْيا ، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي ما الحياة إلا واحدة وهي حياة الدنيا ، فالبعض يموت ، والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر ولا بعث . وبعد أن طعنوا في صحة الحشر ، بنوا عليه الطعن في نبوة هود ، فقالوا : إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ أي ما هود الذي يدعي النبوة ويثبت البعث إلا مجرد رجل اختلق الكذب على اللّه ، فيما جاءكم به من الرسالة والإنذار والإخبار بالمعاد ، وما نحن له بمصدقين فيما يدّعي ويزعم . ولم يجب اللّه تعالى عما أوردوه من الشبهتين المتقدمتين ، أما كون الرسول بشرا فهو أدعى وألزم للمؤانسة ، وتيسر الأخذ عنه ، ومناقشته ، وتكوين القناعة من أمثالهم عقلا وفكرا ومحاكمة ، فليست القضية مجرد إلزام بالقول . وأما استبعاد الحشر فلضعف عقولهم ، وقصور ميزانهم ؛ لأن العاقل يدرك أنه سبحانه لما كان قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، وجب أن يكون قادرا على الحشر والنشر ، ولأن الإعادة أمر ضروري لإقامة صرح العدالة بين الناس ، فلو لا الإعادة لكان تسليط القوي على الضعيف في الدنيا ظلما ، ولا رادع له ، ولا عقاب عليه ، وهو غير لائق بالحكيم ، لذا قال تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه 20 / 15 ] . ولما يئس هود من إيمان قومه بقولهم : وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ فزع إلى ربه : قالَ : رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ أي رب انصرني على قومي نصرا مؤزرا بسبب تكذيبهم إياي في دعوتي لهم إلى الإيمان بك وتوحيدك وإثبات لقائك . فأجاب اللّه دعاءه :