وهبة الزحيلي

316

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المنافقون ، أن يتعرضوا لمحنة أو بلاء وامتحان في الدنيا من كفر أو نفاق ، أو يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة . وضمير أَمْرِهِ إما عائد إلى أمر اللّه تعالى أو أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . والآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ؛ لان تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ، ومخالف الأمر مستحق للعقاب ، فتارك المأمور به مستحق للعقاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك . والآية أيضا تعم كل من خالف أمر اللّه تعالى وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وليس المنافقين فقط . ثم ختم تعالى السورة ببيان نطاق المخلوقات ، وأنهم تحت سلطان اللّه وعلمه ، فقال : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَدْ للتحقيق أيضا كما هو حال ما قبلها ، أي إن جميع ما في السماوات والأرض مختص باللّه عز وجل خلقا ، وملكا ، وعلما ، وتصرفا وإيجادا وإعداما ، يعلم كل ما لدى العباد من سر وجهر ، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين ، وإن اجتهدوا في سترها عن العيون وإخفائها . فقوله : قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ معناه أنه عالم به ، مشاهد إياه ، لا يعزب عنه مثقال ذرة ، كما قال : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ يونس 10 / 61 ] . وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي إن اللّه تعالى سينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم ، وسيجازيهم حق الجزاء : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة 75 / 13 ] ، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف 18 / 49 ] واللّه ذو علم شامل محيط بكل شيء ، يوفره لهم ، ويفاجئهم به يوم الحساب والعرض عليه . وهذا دليل على فصل القضاء الذي يتفرد به اللّه تعالى .