وهبة الزحيلي

314

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي إن الذين يستأذنون الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في الانصراف ، ويشاورونه في الخروج ، هم من المؤمنين الكاملين المصدقين اللّه ورسوله ، الذين يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه . وبعد الاستئذان تعظيما للنبي ورعاية للأدب ، تكون حرية الإذن له ، فقال تعالى : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ أي إذا استأذنك أحد منهم في بعض ما يطرأ له من مهمة ، فأذن لمن تشاء منهم على وفق الحكمة والمصلحة ، فقد استأذن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله ، فأذن له ، وقال له : « انطلق فو اللّه ما أنت بمنافق » يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا : ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم ، وإذا استأذناه لم يأذن لنا ، فو اللّه ما نراه يعدل . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن عمر استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في العمرة ، فأذن له ، ثم قال : يا أبا حفص ، لا تنسنا من صالح دعائك . والآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بعض أمر الدين ، ليجتهد فيه برأيه . وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي واطلب من اللّه أن يغفر لهم ما قد يصدر عنهم من زلات أو هفوات ، إن اللّه غفور لذنوب عباده التائبين ، رحيم بهم فلا يعاقبهم بعد التوبة . وهذا مشعر بأن الاستئذان ، وإن كان لعذر مقبول ، فيه ترك للأولى ، لما فيه من تقديم مصالح الدنيا على مصالح الآخرة ، فالاستئذان مهما كانت أسبابه مما يقتضي الاستغفار ، لترك الأهم .