وهبة الزحيلي

274

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الحق مع غيرهم وأرادوا جحوده ، طلبوا التحاكم إلى غير هذا النبي من أعدائه الذين يحكمون بأهوائهم . ففي قلوبهم مرض الكفر والنفاق ، والشك والريب في نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعدله ، وهم في الواقع الظالمون ، أي المعاندون الكافرون الذين يريدون جحود الحقوق ؛ لإعراضهم عن حكم اللّه تعالى ، وليس هناك أدنى جور في حكم اللّه والرسول . هذه عادة الذين يتاجرون بالإسلام وتملق أهله ما دامت لهم مصلحة ، فإن زالت المصلحة أو تغيرت ابتعدوا عن الإسلام وركبه . وهذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم ؛ لأن اللّه سبحانه ذمّ من دعي إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم ، فقال : أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . فواجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق ، أو عداوة بينه وبين المدّعي أو المدّعى عليه . ومن المعلوم أن القضاء يكون للمسلمين في الحكم بين المعاهد والمسلم ، ولا حق لأهل الذمة فيه . أما القضاء بين الذميين فذلك راجع إليهما ، فإن تراضيا وجاءا قاضي الإسلام ، فإن شاء حكم ، وإن شاء أعرض . الطاعة والامتثال عند المؤمنين [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 51 إلى 54 ] إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 51 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 52 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 53 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 )