وهبة الزحيلي
271
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأخرج ابن أبي حاتم من مرسل الحسن البصري قال : كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة ، فدعي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو محق ، أذعن ، وعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سيقضي له بالحق ، وإذا أراد أن يظلم ، فدعي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أعرض ، فقال : انطلق إلى فلان ، فأنزل اللّه : وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية . وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق ، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف ، ثم تحاكما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فحكم لليهودي ؛ لأنه صاحب الحق ، فلم يرض المنافق بقضائه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال : نتحاكم إلى عمر رضي اللّه عنه ، فلما ذهبا إليه ، قال له اليهودي : قضى لي النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يرض بقضائه ، فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : بلى ، فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل رضي اللّه عنه بيته ، وخرج بسيفه ، فضرب به عنق المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . المناسبة : بعد بيان أدلة التوحيد ، ذمّ اللّه تعالى قوما وهم المنافقون اعترفوا بالدين بألسنتهم ، ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم ، فيقولون : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ ثم يفعلون نقيض ذلك . التفسير والبيان : هذه صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، فقال تعالى : وَيَقُولُونَ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
--> ( 1 ) وهذا الحكم حق وعدل ؛ لأنهم في الواقع كفار استباحوا معارضة النبي صلى الله عليه وسلم في أحكامه ، وشهروا بحكمه ، وأحدثوا البلبلة والاضطراب في عدله ونبوته ، وكل ذلك يختلف عن الكافر العادي .