وهبة الزحيلي
254
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الأشغال الدنيوية ؛ لما أخرجه مسلم عن بريدة من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم للرجل الذي نادى على الجمل الأحمر : « لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له » . وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن . وروى الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة . ولكن روي في حديث آخر أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم رخص في إنشاد الشعر في المسجد . ويكره رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره في رأي مالك وجماعة ، لحديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة : « من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد ، فليقل : لا ردّها اللّه عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا » . وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في الخصومة ( التقاضي ) والعلم ؛ لأنه لا بد لهم من ذلك . ويجوز عند المالكية النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء ، ومن لا بيت له ، فقد أنزل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في صفّة المسجد رهطا من عكل . وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب ، لا أهل له ، في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . ويكره عند الشافعية النوم في المساجد . ويسن الدعاء عند دخول المسجد ؛ روى مسلم عن أبي أسيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك » . وبعد الدخول يسن صلاة ركعتين تحية المسجد ؛ لما روى مسلم أيضا عن أبي قتادة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس » . 3 - وصف اللّه تعالى المسبّحين في المساجد بأنهم المراقبون أمر اللّه ، الطالبون