وهبة الزحيلي

251

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كما قال تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب 33 / 23 ] . والمراد بقوله : عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ غير الصلاة ، منعا من التكرار . وخص التجارة بالذكر ؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة . وشبيه الآية قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ المنافقون 63 / 9 ] . ويستدل بكلمة رِجالٌ على أن صلاة الجماعة مطلوبة من الرجال ، أما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن ؛ لما رواه أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها » . و روى الإمام أحمد عن أم سلمة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « خير مساجد النساء قعر بيوتهن » . وتخصيص المساجد بالذكر ؛ لأنها مصدر إشعاع عقدي وفكري وتنظيمي وسلوكي وعلمي وسياسي في حياة المسلمين . وسبب انصراف الرجال إلى العبادة الخوف من عذاب اللّه كما قال : يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ أي إن الرجال الذين يؤدون الصلاة جماعة في المساجد يخافون عقاب يوم القيامة الذي تضطرب فيه القلوب والأبصار من شدة الفزع والهول ، كقوله تعالى : إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [ إبراهيم 14 / 42 ] وقوله عز وجل : إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [ الدهر 76 / 10 ] . وعاقبة أمرهم ما قال اللّه تعالى : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يذكرون اللّه ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ليثيبهم اللّه ثوابا يكافئ حسن عملهم ، فهم الذين