وهبة الزحيلي

243

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

طريق المجاز . وأصل النور : ما به الإضاءة الحسية التي بها تبصر العين ، ويطلق شرعا على ما به الاهتداء والإدراك ، فأهل السماوات والأرض أي العالم كله يهتدون بنوره . مَثَلُ نُورِهِ أي صفة نوره العجيبة الشأن في قلب المؤمن كَمِشْكاةٍ أي كوّة أو طاقة مسدودة غير نافذة من الخلف . مِصْباحٌ سراج . زُجاجَةٍ قنديل . كَأَنَّها أي الزجاجة والنور فيها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ نجم مضيء . والدري : منسوب إلى الدر اللؤلؤ ، أو من الدرء : أي الدفع لدفعه الظلام بسبب تلألئه . مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت . لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي لا شرقية فقط تقع عليها الشمس أحيانا ، ولا غربية فقط تتعرض للشمس أحيانا أخرى ، وإنما هي موقع وسط تقع عليها الشمس طول النهار ، وتتعرض للهواء المعتدل دون حرّ أو برد ، فتكون ثمرتها أنضج وأطيب ، وزينها أجود الزيوت وأصفاها . يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه وتلألئه وفرط وبيصه . نُورٌ عَلى نُورٍ نور متضاعف ، فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت ، فهو نور فوق نور ، اجتمع فيه نور السراج ( المصباح ) وبهاء الزجاجة ، وصفاء الزيت ، فاكتمل الإشعاع . ومعنى تشبيه نور اللّه بنور هذا المصباح لتقريب الأمر إلى الأذهان : هو تمثيل الهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها ، وظهور مضمونها بالمشكاة المنعوتة بالأوصاف المذكورة . أو تمثيل لما نور اللّه به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث من مصباحها . يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي يهدي اللّه لهذا النور الثاقب وهو دلالة الآيات أو دين الإسلام أو إيمان المؤمن من يشاء من عباده . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يبين اللّه الأمثلة للناس ، تقريبا لأفهامهم ، وتصويرا للمعقول بالمحسوس توضيحا وبيانا ، ليعتبروا فيؤمنوا . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا كان أو خفيا ، وفيه وعد ووعيد ، لمن تدبرها ، ولمن لم يكترث بها . المناسبة . بعد بيان الشرائع والأحكام الجزئية العملية ( أحكام الفقه ) والأخلاق والآداب ( علم الأخلاق ) انتقل البيان الرباني إلى دائرة العقيدة والإيمان وهي الإلهيات ، فذكر اللّه تعالى مثلين : أحدهما : بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور ، فتنوير العالم كله بالآيات الكونية والآيات المنزلة على رسوله دليل واضح قاطع على وجود اللّه تعالى ووحدانيته