وهبة الزحيلي
239
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والشرب ، ودليل الرأي الثاني الحديث الصحيح المتفق عليه بين الشيخين وأحمد عن أنس : « من رغب عن سنتي فليس مني » . ونهى الحق تعالى عن الامتناع عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ، ووعد بالغنى للمتزوجين الطالبين رضا اللّه والاعتصام من معاصيه ، في قوله : إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . فإن وجد متزوج لا يستغني ، فلا يخل بمعنى الآية ، إذ لا يلزم من هذا دوام الغنى واستمراره ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد ، فالمال غاد ورائح ، أو أن الغنى مرتبط بمشيئة اللّه تعالى ، ويكون معنى الآية : يغنيهم اللّه من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد 13 / 26 ] . وهذه الآية : إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول : كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على اللّه . وقد زوّج النبي صلّى اللّه عليه وسلم المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ الزواج بالإعسار ؛ لأنها دخلت عليه . وليس في الآية دلالة على منع التفريق بسبب الإعسار بعد أن تزوجت المرأة موسرا ، وإنما يفرّق بينهما ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [ النساء 4 / 130 ] . كل ما في الأمر أن الآية وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا . ب - وأما إن كان الشخص عاجزا عن تكاليف الزواج ، فاللّه يأمره بالاجتهاد في التعفف ، فقال : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ . . . الخطاب لمن يملك أمر نفسه ، لا لمن زمامه بيد غيره ، فإنه يقوده إلى ما يراه ، كالمحجور عليه . والاستعفاف : طلب أن يكون عفيفا ، واللّه يأمر بهذه الآية كل من تعذّر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه أن يستعفف . ولما كان أغلب الموانع عن الزواج عدم المال وعد تعالى بالإغناء من فضله ،