وهبة الزحيلي

233

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وضمير إِنْ يَكُونُوا راجع إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء ، فيكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة . وقيل : إنه يرجع إلى الأيامى الأحرار والحرائر فقط ؛ لأن المراد بالإغناء في قوله تعالى : يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هو تمليك ما يحصل به الغنى ، والأرقاء لا يملكون . واستدل بعض العلماء بالآية على عدم جواز فسخ الزواج بالعجز عن النفقة ؛ لأن اللّه تعالى لم يجعل الفقر مانعا من التزويج في ابتداء الأمر ، فلا يمنع استدامة الزواج بالأولى . وعلى كل حال فإن المقصود بالآية أنه يندب ألا يرد الخاطب الفقير ثقة بما عند اللّه ، كذلك يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر . ويفهم من الآية أنه يندب للفقير أن يتزوج ولو لم يجد مؤن الزواج ؛ لأنه إذا ندب الولي إلى تزويج الفقير ، ندب الفقير نفسه إلى الزواج . وبعد الأمر بتزويج الحرائر والإماء أغنياء أو فقراء ، وضع القرآن العلاج لحال العاجز عن وسائل الزواج ، ولم يجد أحدا يزوجه ، فقال تعالى : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي وليجتهد في العفة وصون النفس من لا يتمكن من نفقات الزواج ، ويكون المراد بالنكاح حقيقته الشرعية ، وبالوجدان التمكن منه ، ويجوز أن يراد بالنكاح هنا ما ينكح به ، كركاب الذي هو اسم آلة لما يركب به . والمراد بالآية توجيه العاجزين عما يتزوجون به أن يجتهدوا في التزام جانب العفة عن إتيان ما حرم اللّه عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم اللّه من سعته ، ويرزقهم ما به يتزوجون ، فالتعفف عن الحرام واجب المؤمن ، وفي الآية وعد كريم من اللّه بالتفضل عليهم بالغنى ، فلا ييأسوا ولا يقلقوا . جاء في الحديث الصحيح المتقدم : « يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه