وهبة الزحيلي

195

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ذلك اليوم يوفيهم اللّه حسابهم أو جزاءهم على أعمالهم ، ويعلمون أن وعد اللّه ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه . قال الزمخشري رحمه اللّه وجزاه عن تفسيره الدقيق جدا للقرآن الكريم خير الجزاء : ولو فلّيت « 1 » القرآن كله ، وفتّشت عما أوعد به العصاة ، لم تر اللّه تعالى قد غلّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان اللّه عليها ، ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد ، والعقاب البليغ ، والزجر العنيف ، واستعظام ما ركب من ذلك ، واستفظاع ما أقدم عليه ، على طرق مختلفة ، وأساليب مفتنّة ، كل واحد منها كاف في بابه ، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث ، لكفى بها ، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا ، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة ، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا ، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله ، حتى يعلموا عند ذلك أن اللّه هو الحق المبين « 2 » . يفهم من هذا الكلام ومن كلام الفخر الرازي أن اللّه تعالى عاقب هؤلاء القذفة بثلاثة أشياء : كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة ، وهو وعيد شديد ، وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم على أعمالهم ، وإيفاؤهم جزاء عملهم . والدين بمعنى الجزاء مثل قولهم : « كما تدين تدان » وقيل : بمعنى الحساب كقوله تعالى : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الحساب الصحيح ، والحق : هو أن الجزاء الموفى هو القدر المستحق ؛ لأنه الحق ، وما زاد عليه هو الباطل . ثم أورد اللّه تعالى دليلا ماديا حسيا على براءة عائشة فقال : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ ، وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ . .

--> ( 1 ) جعلها بعضهم : قلبت . ( 2 ) تفسير الكشاف : 2 / 380 وما بعدها .