وهبة الزحيلي
185
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فضل أبي بكر رضي اللّه عنه وشرفه ، وحث على صلة الرحم ، فهذا في غاية الترفق والعطف في صلة الأرحام . وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أي ليعفوا عن المسئ ، ويصفحوا عن خطأ المذنب ، فلا يعاقبونه ولا يحرمونه من عطائهم ، وليعودوا إلى صلتهم الأولى ، فإن من أخطأ مرة يجب ألا يتشدد في العقاب عليه ، وقد عوقب مسطح بالحد والضرب ، وكفى ذلك ، وزلق زلقة تاب اللّه عليه منها . أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي ألا تريدون أن يستر اللّه عليكم ذنوبكم ، فإن الجزاء من جنس العمل ، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك ، يغفر اللّه لك ، وكما تصفح يصفح عنك : « من لا يرحم لا يرحم » « 1 » واللّه غفور لذنوب عباده الطائعين التائبين ، رحيم بهم فلا يعذبهم بزلّة حدثت ثم تابوا عنها ، فتخلقوا بأخلاق اللّه تعالى . وهذا ترغيب في العفو والصفح ، ووعد كريم بمغفرة ذنوب التائبين ، لذا بادر أبو بكر الصدّيق إلى القول : « بلى ، واللّه ، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربّنا » ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة ، وقال : « واللّه لا أنزعها منه أبدا » . فقه الحياة أو الأحكام : هذه جملة من الآداب والزواجر ، أرشدت إليها قصة الإفك ، وهي تربية عالية للمجتمع ، وصون لأخلاقه من التردي والانحدار ، ونبذ للعادات السيئة في إشاعة الأخبار دون علم ولا تثبت ، وقد دلت الآيات على ما يلي : 1 - إن داء الأمة ينبع من داخلها ، وأخطر داء فيها زعزعة الثقة بقادتها ومصلحيها ، وتوجيه النقد الهدام لهم ، ومحاولة النيل من عرضهم وسمعتهم
--> ( 1 ) هذا حديث صحيح أخرجه الطبراني عن جرير بلفظ : « من لا يرحم لا يرحم ، ومن لا يغفر لا يغفر له ، ومن لا يتب لا يتب عليه » .