وهبة الزحيلي

183

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والاستعلاء على الناس وحسدهم على ما يتمتعون به من تماسك واستقرار ومحبة ووئام ، فيعمل الحاقد الكاره الحاسد كابن أبي على تقويض أركان هذا المجتمع ، والغض من كرامته ، والنيل من عرضه وسمعته ، ظنا منه أن هذا شرف له . 8 - وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي لولا الفضل الإلهي والرحمة لكان أمر آخر ، والجواب المحذوف هو : لهلكتم أو لعذبكم اللّه واستأصلكم ، ولكنه تعالى رؤوف بعباده ، رحيم بهم ، فتاب على التائبين من هذه القضية ، وأرشد إلى ما فيه الخير ، وهدى إلى الطريق الأقوم ، وحذّر من مغبّة الاستمرار في وجهة الانحراف ، وبيّن خطر هذا الفعل الشنيع وهو الطعن بعرض بيت النبوة ، فله الحمد والمنة ، لذا حذر في الآية التالية من اتباع وساوس الشيطان فقال : 9 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ أي يا أيها المؤمنون المصدّقون باللّه ورسوله لا تسيروا في طرائق الشيطان ومسالكه ، ولا تسمعوا لوساوسه وتأثيراته وما يأمر به ، في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له ، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، فإن من يتبع وساوس الشيطان ويقتفي آثاره خاب وخسر ؛ لأنه - أي الشيطان - لا يأمر إلا بالفحشاء ( ما أفرط قبحه ) والمنكر ( ما أنكره الشرع وحرمه وقبّحه العقل ونفّر منه ) فلا يصح لمؤمن طاعته ، وهذا تنفير وتحذير صريح . واللّه تعالى ، وإن خص المؤمنين في هذه الآية بالنهي عن اتباع وساوس الشيطان ، فهو نهي لكل المكلفين ، بدليل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ فكل المكلفين ممنوعون من ذلك . وحكمة تخصيص المؤمنين بالذكر هي أن يتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يتشبهوا بحال أهل الإفك .