وهبة الزحيلي
178
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ أي إن الذين أتوا بالإفك وهو أبلغ الكذب والافتراء جماعة منكم ، لا واحد ولا اثنان ، أي ما أفك به على عائشة ، بزعامة زعيم المنافقين عبد اللّه بن أبي ، فإنه هو الذي اختلق هذا الكذب ، وتواطأ مع جماعة صغيرة ، فأصبحوا يروجونه ويذيعونه بين الناس ، حتى دخل في أذهان بعض المسلمين ، فتكلموا به ، وبقي شيوع الخبر قريبا من شهر ، حتى نزل القرآن . وفي التعبير بعصبة إشارة إلى أنهم فئة قليلة . وقوله تعالى : مِنْكُمْ أي منكم أيها المؤمنون ؛ لأن عبد اللّه كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرا . لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي لا تظنوا - يا آل أبي بكر وكل من تأذى بذلك الكذب واغتم ، بدليل قوله تعالى مِنْكُمْ - أن ذلك هو شر لكم وإساءة إليكم ، بل هو خير لكم في الدنيا والآخرة ، لاكتسابكم به الثواب العظيم ، وإظهار عناية اللّه بعائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها حيث أنزل اللّه براءتها في القرآن العظيم . يتلى إلى يوم القيامة ، وتهويل الوعيد لمن تكلم في حقكم . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ لكل واحد تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة بالفاحشة نصيب من عذاب عظيم بقدر ما خاض فيه ، أو عقاب ما اكتسب . وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ أي والذي تحمل معظم ذلك الإثم منهم ، وهو في رأي الأكثرين عبد اللّه بن أبي ، له عذاب عظيم في الدنيا والآخرة ، فإنه أول من اختلق هذا الخبر ، أو أنه كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ، فمعظم الشر كان منه ، أما عذابه في الدنيا فبإظهار نفاقه ونبذه من المجتمع ، وأما في الآخرة فهو في الدرك الأسفل من النار .