وهبة الزحيلي
26
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لا ينفعهم ذلك ، فقالوا : يا هلاكنا ، إنا ظلمنا أنفسنا بكفرنا بربنا . وهذا اعتراف صريح منهم بالكفر الموجب للعذاب . فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ أي فما زالوا يرددون تلك المقالة ، وهي الاعتراف بالظلم ، حتى حصدناهم حصدا ، وخمدت حركاتهم ، وسكنت أصواتهم خمودا كالنار التي أصبحت خامدة لا حياة فيها . فقوله : تِلْكَ إشارة إلى قولهم : يا وَيْلَنا . . إلخ ؛ لأنها دعوى ، كأنه قيل : فما زالت تلك الدعوى دعواهم . والدعوى هنا بمعنى الدعوة أي المطلب ، قال تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس 10 / 10 ] وسميت دعوى ؛ لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا : يا وَيْلَنا والمولول كأنه يدعو الويل ، فيقول : تعال يا ويل ، فهذا وقتك . والحصيد : الزرع المحصود ، أي جعلناهم مثل الحصيد ، تشبيها لهم به في استئصالهم ، كما تقول : جعلناهم رمادا ، أي مثل الرماد ، فهم يشبهون الحصيد والخمود . وعقابهم هذا حق وعدل جزاء إنكار هم النبوة ، وجعلهم معجزات النبي عبثا ولعبا ، لذا أبان تعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلا بالعدل فقال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ أي وما أوجدنا السماوات والأرضين إلا بالحق ، أي بالعدل والقسط ، لا للهو واللعب ، فإنا خلقناها لفائدة دينية هي أن تكون دليلا على معرفة الخالق لها ، ولمنافع أخرى دنيوية وغيرها ، وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولعبا . ونظير الآية قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ ص 38 / 27 ] ثم أكد تعالى نفي اللعب فقال :