وهبة الزحيلي

24

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وأصله : ضرب الدابة وكدّها بالرجل ، ومنه قوله تعالى : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ ص 38 / 42 ] . أُتْرِفْتُمْ أي نعمتم ، والإتراف : التنعم والتلذذ ، أو إبطار النعمة . وَمَساكِنِكُمْ التي كانت لكم لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ أي لتسألوا غدا عن أعمالكم أو تعذبون ، فإن السؤال من مقدمات العذاب يا وَيْلَنا يا هلاكنا ، ويا : للتنبيه ظالِمِينَ بالكفر فَما زالَتْ تِلْكَ الكلمات دَعْواهُمْ أي دعوتهم التي يردّدونها ، أي ما زالوا يكررون تلك الكلمة حَصِيداً محصودين ، كما يحصد الزرع بالمناجل ، بأن قتلوا بالسيف خامِدِينَ ميتين ، كخمود النار إذا طفئت . لاعِبِينَ عابثين ، بل دالين على قدرتنا ومرشدين عبادنا لَهْواً ما يلهى به من زوجة أو ولد . والفرق بين اللعب واللهو : أن الأول لا يقصد به هدف صحيح ، والثاني يقصد به الترويح عن النفس مِنْ لَدُنَّا من عندنا من الحور العين والملائكة إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ذلك ، لكنا لم نفعله فلم نرده . نَقْذِفُ نرمي رميا بعيدا بِالْحَقِّ الإيمان عَلَى الْباطِلِ الكفر فَيَدْمَغُهُ يذهبه ويقهره ويهلكه ، وأصل الدمغ : كسر الشيء الرخو ، وإصابة الدماغ بالضرب ، وهو مقتل فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ذاهب وهالك وزائل وَلَكُمُ يا كفار مكة الْوَيْلُ العذاب الشديد مِمَّا تَصِفُونَ اللّه به من الزوجة أو الولد . وَلَهُ للّه تعالى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ لا يتعظمون وَلا يَسْتَحْسِرُونَ لا يكلون ولا يعيون ولا يتعبون يُسَبِّحُونَ ينزهونه ويعظمونه دائما لا يَفْتُرُونَ لا يضعفون . المناسبة : هذه الآيات مبالغة في زجر الكفار عن عصيانهم وكفرهم ، فبعد أن أبان اللّه تعالى أنه أهلك المسرفين في تكذيبهم وكفرهم باللّه ، ونصر الأنبياء المرسلين عليهم ، وأسقط اعتراضاتهم التي أظهرت إعجاز القرآن ، وأوضحت أن إيراد تلك الاعتراضات كان لحب الدنيا وحب الرياسة فيها ، بالغ تعالى في زجرهم عن ذلك ، فقال : وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً ، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ أي كثيرا ما أهلكنا من أهل القرى الذين كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر باللّه وتكذيب