وهبة الزحيلي

20

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [ آل عمران 3 / 186 ] . وإنما كانوا بشرا ليتمكن الناس من تلقي الوحي عنهم ، والأخذ بيسر بما نزل عليهم . وهذا نص صريح في بشرية الرسل وفي كونهم رجالا لا نساء . وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ، وَما كانُوا خالِدِينَ أي وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين كالملائكة ، بل كانوا أجسادا يأكلون الطعام ، وما كانوا مخلّدين باقين في الدنيا ، ونظير الآية : وَقالُوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان 25 / 7 ] وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان 25 / 20 ] . وهذا نفي لما اعتقدوا أن من صفات الرسل الترفع عن الحاجة إلى الطعام ، فهم كانوا بشرا يأكلون الطعام ، ويتصفون بكل الصفات الإنسانية ، ويطرأ عليهم الحزن والسرور ، والمرض ، والنوم واليقظة ، والحياة والموت ، فلا خلود لهم في الدنيا ، كما قال تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء 21 / 34 ] . ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ . . . أي إننا نصون حياة الرسل وكراماتهم ، ونصدقهم في الوعد الذي نعدهم به من النصر على أعدائهم ، وإهلاك الظالمين ، وننجيهم ومن نشاء من أتباعهم المؤمنين بهم ، ونهلك المكذبين لهم ، المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعاصي ، المكذبين بما جاءت به الرسل . وبعد إثبات بشرية الرسل للرد على المشركين الذين اعتقدوا بأن الرسالة من خواص الملائكة ، نبّه تعالى على شرف القرآن وفضله ونفعه للناس ، وحرض على معرفة قدره ، فقال : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي لقد أعطيناكم هذا القرآن العظيم