وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأما الإعراض : فهو الإمعان في البعد عن القرآن وترك آياته وعدم الإيمان باللّه ، بالرغم من الانتباه من الغفلة والجهالة . 3 - لقد عطل كفار قريش مفاتيح الهداية والانتفاع بنور القرآن ، وهزؤوا وسخروا من آيات اللّه التي تأخذ بيدهم إلى السعادة الدنيوية والأخروية . 4 - احتج المعتزلة على حدوث القرآن بقوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ . . فقالوا : القرآن ذكر ، والذكر محدث ، فالقرآن محدث . وأجابهم أهل السنة بأن المقصود بالإحداث : هو ما يسمع من حروف القرآن وأصواته ، فهذا حادث لا شك . أما القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى فهو قديم بقدم اللّه سبحانه وصفاته الحسنى . 5 - طعن كفار قريش في نبوة النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم بأمرين : أحدهما - أنه بشر مثلهم . والثاني - أن الذي أتى به سحر . وكلا الطعنين مردود ؛ لأن النبوة تثبت بالمعجزات والدلائل ، لا بالصور ، فكونه بشرا لا يمنع نبوته ، ولو بعث إليهم الملك لما علم كونه نبيا لمجرد صورته ، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا ؛ لأن الإنسان يأنس بأمثاله ، وهو أقرب إلى قبول الشيء من أشباهه . ثم إن ما أتى به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من القرآن وغيره لا تمويه فيه ولا تلبيس ، وليس فيه شيء من ظواهر السحر ، فقد تحداهم صلّى اللّه عليه وسلم بالقرآن ، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، فلو قدروا على المعارضة لأتوا بما يشبه القرآن ، فلما لم يأتوا بمثله ، دل ذلك على كونه معجزة في نفسه . 6 - الحق أن قلوب الكفار ساهية معرضة عن ذكر اللّه ، متشاغلة عن التأمل