وهبة الزحيلي
13
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
البشر ، وجاء بالمعجزة هو ساحر ، ومعجزته سحر ، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار : أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ؟ أي أفتتبعونه ، فتكونون كمن يأتي السحر ، وهو يعلم أنه سحر ، أو أتصدقون بالسحر ، وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر ؟ ! فهم يستبعدون كون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نبيا ؛ لأنه بشر مثلهم ، والرسول لا يكون إلا ملكا ، وأما ما أتى به من القرآن فهو سحر . وإنما أسروا الحديث بينهم في ذلك للتشاور في المخلص ، والتوصل إلى أنجع الطرق لهدم دينه . فأجابهم تعالى عما افتروه واختلقوه من الكذب بقوله : قالَ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي قال لهم الرسول بأمر من اللّه مفتضحا أسرارهم : لا تخفوا ما تقولون ، فإن اللّه ربي وربكم يعلم ذلك ، لا يخفى عليه خافية من أمر السماء والأرض وما يحدث فيهما من أقوال وأفعال ، وهو الذي أنزل القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين ، وهو السميع لأقوالكم ، العليم بأحوالكم . وفي هذا تهديد لهم ووعيد . وإنما قال : يَعْلَمُ الْقَوْلَ ولم يقل : يعلم السر ؛ لقوله المتقدم : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى لأن القول عام يشمل السر والجهر ، وعلمه بالأمرين على سواء ، لا تفاوت فيه ، خلافا لمعلومات الناس ، فكان التعبير شاملا للعلم بالسر وزيادة ، وكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول : يعلم السرّ . ثم أخبر اللّه تعالى عن تخبط الكفار ، وتعنتهم وإلحادهم ، وحيرتهم وضلالهم ،