وهبة الزحيلي

85

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المسلمون نعتقد بهذا اعتقادا جازما ، لإثباته بنص القرآن القاطع ، وأما اليهود والنصارى فينكرون أنه تكلم في المهد . وكان نطقه إظهارا لبراءة أمه ، ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان . 4 - وصف عيسى عليه السلام نفسه في كلامه المبين وهو طفل رضيع بصفات تسع ، جمعت بين إثبات النبوة وإنزال الإنجيل عليه في المستقبل ، وتبرئة أمه من تهمة الزنى ، وإثبات عبوديته للّه عز وجل ، فهو عبد للّه لا ربّ ولا إله ، كما يعتقد النصارى ، واتصافه بالبركات ومنافع الدين والدعوة إليه ، واستقامة سلوكه وأخلاقه ، فهو برّ بوالدته ، ليس متعظما متكبرا ، ولا عاصيا خائبا من الخير ، ملتزما تشريع اللّه في العبادة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد بلوغه من التكليف . 5 - قوله تعالى : وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي جعلني برا بوالدتي يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، لأن الآية تدل على أن كونه برا ، إنما حصل بجعل اللّه وخلقه . 6 - قال مالك بن أنس رحمه اللّه تعالى في هذه الآية : ما أشدها على أهل القدر « 1 » ! أخبر عيسى عليه السلام بما قضي من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت . 7 - الإشارة بمنزلة الكلام وتدل على ما يدل عليه ويحدث بها الإفهام والفهم ، كيف لا ، وقد أخبر اللّه تعالى عن مريم ، فقال : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ . وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام : فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس « بعثت أنا والساعة كهاتين » . وإجماع العقلاء على أن العيان أقوى من الخبر ، دليل على أن الإشارة

--> ( 1 ) هم القدرية الذين يقولون : إن العبد يخلق أفعال نفسه ، والمعاصي لا يريدها اللّه تعالى .