وهبة الزحيلي

68

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ظاهر ، ولذا ذكرا معا في آل عمران وهنا وفي الأنبياء ، لتقاربهما في المعنى ، ليدل تعالى عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر . وعملا بمبدإ الانتقال في البيان والتعليم من الأسهل إلى الأصعب ، بدأ تعالى بقصة يحيى عليه السلام ؛ لأن خلقه من أبوين كبيرين أقرب إلى العادة والتصديق من خلق الولد بلا أب ، ثم ذكر قصة عيسى ؛ لأنها أغرب من تلك . التفسير والبيان : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا أي واذكر يا محمد الرسول للناس في هذه السورة قصة مريم البتول بنت عمران من سلالة داود عليه السلام ، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل ، حين تنحّت ، واعتزلت من أهلها ، وتباعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس أو المسجد المقدس ؛ لتنقطع إلى العبادة . روى ابن جرير عن ابن عباس قال : إني لأعلم خلق اللّه لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبله ؛ لقول اللّه تعالى : انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا واتخذوا ميلاد عيسى قبلة . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا أي استترت منهم وتوارت بساتر أو حاجز يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة ، فأرسلنا إليها جبريل عليه السلام ، متمثلا بصورة إنسان تام كامل ، لتأنس بكلامه ، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية ، فظنت أنه يريدها بسوء . وقوله : رُوحَنا هو جبريل ، كما جاء في آية أخرى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء 26 / 193 - 194 ] .