وهبة الزحيلي
64
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
6 - 7 : وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا أي لم يكن متكبرا على الناس ، بل كان متواضعا لهم ، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه ، روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من أحد يلقى اللّه يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا » . وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيي ذكر اللّه تعالى جزاءه على ذلك ، فقال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي له الأمان من اللّه في هذه الثلاثة أحوال : أمان عليه من اللّه يوم الولادة ، فقد أمن أن يناله الشيطان في ذلك اليوم كما ينال سائر بني آدم ، ويوم الموت ، فيأمن عذاب القبر ، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه . قال سفيان بن عيينة : أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن : يوم ولد ، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت ، فيرى قوما لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث ، فيرى نفسه في محشر عظيم ، فأكرم اللّه يحيى بن زكريا ، فخصه بالسلام عليه ، فقال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا . فقه الحياة أو الأحكام : ذكر اللّه تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيي بن زكريا عليهما السلام وهي : 1 - الجد والصبر على القيام بأمر النبوة ، فليس المراد من قوله خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ القدرة على الأخذ ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد ، فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة . 2 - إيتاؤه النبوة وهو صبي ؛ لأن اللّه تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان ، لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام ، وقد بلغا الأشد وهو أربعون سنة .