وهبة الزحيلي

313

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يُتْلى عَلَيْهِمْ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت 29 / 50 - 51 ] . و في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . وقد ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو القرآن وإلا فله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر . وسيعترف المشركون يوم القيامة بأن القرآن آية بينة كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ، لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى أي ولو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل بعثة هذا الرسول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإنزال هذا الكتاب العظيم ، لقالوا يوم القيامة : يا ربنا هلا كنت أرسلت إلينا رسولا في الدنيا ، حتى نتبع آياتك التي يأتي بها الرسول من قبل أن نذل بالعذاب في الدنيا ونخزى بدخول النار ؟ والآية دليل على أن التكليف والعقاب لا يكون قبل مجيء الشرع . والحق أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون ، لا يؤمنون ولو جاءتهم الآيات تترى ، كما قال تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ، قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام 6 / 109 - 110 ] . قُلْ : كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ، فَتَرَبَّصُوا ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى أي قل يا محمد لهؤلاء الذين كذبوك وخالفوك واستمروا على كفرهم وعنادهم : كل واحد منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه الأمر ، فانتظروا أنتم ، فستعلمون عن قريب في عاقبة الأمر ، من هو على الطريق الحق المستقيم ، أنحن