وهبة الزحيلي

301

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ولقد أحسن الجنيد حين قال : « حسنات الأبرار سيئات المقربين » فهم صلوات اللّه وسلامه على نبينا وعليهم ، وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم ، فلم يخل ذلك بمناصبهم ، ولا قدح في رتبتهم ، بل قد تلافاهم ، واجتباهم وهداهم ، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم ، صلوات اللّه على نبينا وعليهم وسلامه « 1 » . 6 - أما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة ، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم ، فيقول : تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت ، وقد قدّر اللّه علي ذلك . والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ، ولوم المسئ على إساءته ، وتعديد ذنوبه عليه « 2 » . 7 - لقد اجتبى اللّه تعالى آدم وهداه بعد العصيان ، فإن وقع هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب ؛ لأن قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم ، وإذا بعثهم اللّه تعالى إلى خلقه ، لم يضر ما سلف منهم من الذنوب . 8 - أمر اللّه تعالى آدم وزوجه حواء بالهبوط إلى دار الدنيا ، والدنيا دار تكليف وتنافس وتزاحم ومعاداة ، وسبيل التقويم والتميز : الالتزام بهداية اللّه ، فمن اهتدى بهداية الرسل والكتب الإلهية فقد رشد ، ولا يضل عن الصواب ، ولا يشقى في الآخرة . ومن أعرض عن دين اللّه ، وتلاوة كتابه ، والعمل بما فيه ، كان له عيش ضيق مشحون بالعذاب النفسي والجسدي والعقلي ، ويحشر يوم القيامة أعمى البصر والبصيرة ، لا يدرك طريق النجاة ، ويزج به في عذاب جهنم .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 255 . ( 2 ) المصدر السابق : 11 / 257 .