وهبة الزحيلي

29

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالت : استيقظ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من نومه ، وهو محمر وجهه ، وهو يقول : « لا إله إلا اللّه ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ، وحلّق ، قلت : يا رسول اللّه ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » . وقد اتسعت الحلقة حتى كبرت في منتصف القرن السابع الهجري ، بخروج التتر والمغول ، واجتياح البلاد الإسلامية ، وتدمير صرح الخلافة الإسلامية وإسقاطها في بغداد سنة 656 ه - ، كما حكى القرآن في قوله تعالى : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً أي وتركنا بعض الناس يوم خروج يأجوج ومأجوج يضطرب ويختلط مع بعض آخر ، فيكثر القتل ، وتفسد الزروع ، وتتلف الأموال ، كما أخبر تعالى في آية أخرى : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [ الأنبياء 21 / 96 ] . وذلك كله قبل قيام القيامة وقبل النفخ في الصور بزمن غير معلوم لنا . ويرى مفسرون آخرون أن معنى الآية : أنهم يضطربون ويختلطون كموج البحر يوم القيامة ، في أول أيامها . ورجح القرطبي القول بأنه تركنا يأجوج ومأجوج وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض . وإذا اقترب موعد القيامة نفخ في الصور ، وهي النفخة الثانية ، وجمعنا الناس جمعا بأن أحييناهم بعد تلاشي أبدانهم وصيرورتها ترابا ، وأحضرناهم إلى المحشر والحساب جميعا ، كما في آيات أخرى ، منها : قُلْ : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الواقعة 56 / 49 - 50 ] ومنها : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكهف 18 / 47 ] . والصور كما جاء في الحديث الثابت : قرن ينفخ فيه ، والذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام .