وهبة الزحيلي
269
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
غضبه لله ، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام كان حديدا خشنا متصلبا في كل شيء ، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ، ففعل ما فعل . خَشِيتُ خفت لو اتبعتك وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ولم تراع قولي فيما رأيته في ذلك . قالَ : فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ أي ثم أقبل عليه وقال منكرا : ما شأنك الداعي إلى ما صنعت ، وما الذي حملك على هذا الأمر الخطير ؟ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي علمت بما لم يعلموه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فقبضت قبضة من تربة موطئ جبريل عليه السلام ، فهو الرسول ، وقيل : موسى عليه السلام ، والقبضة : الأخذ بجميع الكف فَنَبَذْتُها ألقيتها وطرحتها في صورة العجل المصاغ وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي ومثل ذلك زينت وحسنت لي نفسي . قالَ : فَاذْهَبْ قال موسى له : فَاذْهَبْ من بيننا فِي الْحَياةِ مده حياتك أَنْ تَقُولَ لمن رأيته ، عقوبة على ما فعلت لا مِساسَ أي لا تقربني ، ولا مخالطة ، فلا يقربه ولا يخالطه أحد ، ولا يخالط أحدا ، فعاش وحيدا طريدا ، وإذا حدث مساس مع أحد ، أخذته الحمى وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً في الآخرة لعذابك لَنْ تُخْلَفَهُ أي سيأتيك الله به حتما ، وتبعث إليه ، وبكسر اللام : لن تغيب عنه ظَلْتَ أصله : ظلت ، فحذفت الأولى تخفيفا ، أي دمت عاكِفاً مقيما تعبده لَنُحَرِّقَنَّهُ أي بالنار لَنَنْسِفَنَّهُ لنذرينه فِي الْيَمِّ في البحر نَسْفاً نذرا ، فلا يصادف منه شيء ، وقام موسى فعلا بإلقاء العجل في البحر . وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً وسع علمه كل شيء وأحاط به . المناسبة : بعد أن ذكر الله تعالى مخالفة عبادة العجل لأبسط مبادئ العقل ؛ لأنه لا يجيب سائله ولا يدفع عنه ضرا ولا يجلب له نفعا ، ذكر أن بني إسرائيل أيضا عصوا الرسول الذي نبههم إلى خطأ فعلهم ، ثم أوضح معاتبة موسى لأخيه هارون على سكوته على بني إسرائيل في عبادتهم العجل ، ثم أردف به مناقشة موسى للسامري وعقابه من الله في الدنيا والآخرة ، وإلقاء موسى العجل في البحر ، وإعلان موسى صراحة : من هو الإله الحق ، وهو الذي وسع علمه السماوات والأرض ، لا الجماد الذي لا يضر ولا ينفع .