وهبة الزحيلي
262
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أثناء مخالطة المصريين ، بدليل أنه لما نجاهم الله من طغيان فرعون ، طلبوا من موسى نفسه عليه السلام أن يصنع لهم تمثالا ليعبدوه ، كما قال تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ، قالُوا : يا مُوسَى ، اجْعَلْ لَنا إِلهاً ، كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ، قالَ : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ الأعراف 7 / 138 ] . التفسير والبيان : وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى أي ما حملك على أن تسبقهم ، والقوم : هم بنو إسرائيل ، والمراد بهم هنا النقباء السبعون ، أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت النقباء وخرجت من بينهم . وذلك أن الله وعد موسى باللقاء في جبل الطور بعد هلاك فرعون ، ليعطيه الألواح التي فيها الوصايا الدستورية لبني إسرائيل . فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ، ثم زيدت إلى أربعين يوما : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ، وَأَصْلِحْ ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف 7 / 142 ] . وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه ، فاختار موسى منهم سبعين رجلا : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا [ الأعراف 7 / 155 ] وهم النقباء السبعون الذين اختارهم ، فسار موسى بهم ، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه ، أي لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله ، فقال الله له : ما أعجلك ؟ أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم ؟ . وهذا الإنكار إنكار للعجلة في ذاتها ؛ لما فيها من عدم العناية بصحبة ؛ لأن من شرط المرافقة الموافقة ، وهو تعليم للأدب الحسن الرفيع في المصاحبة .