وهبة الزحيلي
257
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ، فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أي ولا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز ، ولا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين ، ولا تأخذوا من الرزق من غير حاجة ، وتخالفوا ما أمرتكم به من البعد عن السرف والبطر وارتكاب المعاصي والاعتداء على الحقوق ، فينزل بكم غضبي ، وعقوبتي . وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى أي ومن ينزل به غضبي فقد شقي وهلك . وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى أي وإني لستار وذو مغفرة شاملة لمن تاب من الذنوب ، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعمل عملا صالحا مما ندب إليه الشرع وحسنه ، ثم استقام على ذلك حتى يموت . وفي التعبير ب ثُمَّ اهْتَدى دلالة على وجوب الاستمرار على تلك الطريقة ؛ إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة ، حتى يستمر عليه في المستقبل ، ويموت عليه ، ويؤكده قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ ، ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت 41 / 30 ] وكلمة ثُمَّ هنا للتراخي ، وليست لتباين المرتبتين ، بل لتباين الوقتين ، فكأنه تعالى قال : الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ، مما قد يحدث أحيانا لكل أحد ، ولا صعوبة في ذلك ، إنما الصعوبة في المداومة والاستمرار على المطلوب . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت هذه الآيات إلى ما يأتي : 1 - تفضل الله على بني إسرائيل بإنقاذهم وإنجائهم من ظلم فرعون وقومه ، فأوحى الله إليه أن يتخذ لهم طريقا يابسا في البحر لا طين فيه ولا ماء ، بأن ضربه بعصاه ، فانشق ، وجف بما هيأ الله له من الأسباب كالرياح ، فأضحى لا يخاف لحاقا من فرعون وجنوده ، ولا يخشى غرقا من البحر .