وهبة الزحيلي

243

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وجاء في آية أخرى أنهم لما ألقوا وَقالُوا : بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ، إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [ الشعراء 26 / 44 ] ونظير الآية التي هنا : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف 7 / 116 ] . وذلك أنهم حشوها بالزئبق الذي يتأثر بحرارة الشمس ، أو بمادة أخرى تتأثر بالحرارة ، فيخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وكأن الوادي امتلأ حيات يركب بعضها بعضا . فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى أي أحس موسى بالخوف من أن يغلب ، تأثرا بالطبيعة البشرية . وابتهج فرعون وقومه ، وظنوا أنهم قد نجحوا ، وأن السحرة فازوا على موسى وهارون . قُلْنا : لا تَخَفْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي قال الله لموسى : لا تخف ، فإنك أنت المستعلي عليهم بالظفر والغلبة . وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى أي وألق يا موسى العصا التي في يمينك ، تبتلع بعد أن تصير حية جميع ما صنعوه من الحبال والعصي ، وسحروا بها أعين الناس ، إن الذي صنعوه ليس إلا سحرا خيالا لا حقيقة له ولا بقاء ، ولا يفوز الساحر حيث أتى من الأرض ، أو حيث احتال ، وأنه لا يحصل مقصوده بالسحر ، خيرا كان أو شرا . وإنما أبهم العصا تهويلا لأمرها ، وأنها ليست من جنس العصي المعروفة . فقامت المعجزة ، واتضح البرهان ، وظهر الحق ، وبطل السحر ، ودهش الناس الذين ينظرون ، وأدرك السحرة أن السحر لا يفعل هذا أبدا ، وأن هذا خارج عن طاقة البشر ، وأنه من فعل الإله خالق الكون ، فآمنوا كما قال تعالى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً ، قالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى أي فلما ألقى