وهبة الزحيلي

241

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً خروا ساجدين لله تعالى ، أي فألقى فتلقفت ، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر ، وإنما هو من آيات الله ، ومعجزة من معجزاته ، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله ، توبة عما صنعوا وتعظيما لما رأوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قدم هارون لكبر سنه ، أو لروي الآية ، روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها . قالَ : آمَنْتُمْ لَهُ قال فرعون : آمنتم لموسى ، واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع . قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أنا في الإيمان له . إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ إن موسى لمعلمكم أو لأستاذكم الذي علمكم السحر ، وأنتم تواطأتم على ما فعلتم . مِنْ خِلافٍ في موضع النصب على الحال أي لأقطعنها من حال مختلفة : اليد اليمنى والرجل اليسرى . ومن : ابتدائية . وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي عليها ، شبه تمكن المصلوب بالجذوع بتمكن المظروف بالظرف ، وهو أول من صلب . وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا يريد نفسه ورب موسى لقوله : آمَنْتُمْ لَهُ . أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى أي أدوم عذابا . وهل نفذ فيهم تهديده ؟ الآيات لم تذكر ذلك ، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده ، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم ، فماتوا على الإيمان ، فقال ابن عباس : كانوا في أول النهار سحرة ، وفي آخر النهار شهداء بررة . قالُوا : لَنْ نُؤْثِرَكَ قال السحرة : لن نختارك . عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ على ما جاءنا موسى به من المعجزات الواضحات الدالة على صدقه . وَالَّذِي فَطَرَنا خلقنا وأوجدنا من العدم . وهذا عطف على ما جاءنا ، أو قسم فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ اصنع ما أنت قاضيه ، أي صانعه ، أو ما قلته أو احكم . إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا ، فالنصب على الاتساع ، أي فيها ، ثم تجزى عليه في الآخرة ، والآخرة خير وأبقى ، فهو كالتعليل لما قبله ، والتمهيد لما بعده . لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الكفر والمعاصي . وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ تعلما وعملا في معارضة موسى والمعجزة . وَاللَّهُ خَيْرٌ منك ثوابا إذا أطيع . وَأَبْقى منك عذابا إذا عصي . إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً إن الأمر من يأت ربه كافرا ، بأن يموت على كفره وعصيانه . لا يَمُوتُ فِيها فيستريح . وَلا يَحْيى حياة هنيئة فتنفعه . قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ الفرائض والنوافل . لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى المنازل الرفيعة ، جمع عليا مؤنث أعلى . جَنَّاتُ عَدْنٍ أي جنات أعدت للإقامة . مِنْ تَحْتِهَا من تحت غرفها . جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى تطهر من الذنوب والكفر . قال البيضاوي : والآيات الثلاث - أي الأخيرة - يحتمل أن تكون من كلام السحرة ، وأن تكون ابتداء كلام الله .