وهبة الزحيلي
216
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بالملاطفة واللين ، كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل 16 / 125 ] . فأجاب موسى وهارون بقولهما : قالا : رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى أي قال موسى وهارون : يا ربنا ، إننا نخاف من فرعون إن دعوناه إلى التوحيد وعبادتك ، أن يعجل ويبادر بعقوبتنا ، ويشتط في أذيتنا ويعتدي علينا ، لتجبره وعتوه وقساوته . قالَ : لا تَخافا ، إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى أي قال الله لموسى وهارون : لا تخافا من فرعون ، فإنني معكما بالنصر والتأييد ، والحفظ والعون عليه ، وإنني سميع لما يجري بينكما وبينه ، ولست بغافل عنكما ، وأرى كل ما يقع ، فأصرف شره عنكما . والمراد أنه تعالى حثهما على التبليغ بجرأة وحكمة ، وتكفل لهما بالحفظ والمعونة والنصرة والوقاية من شر فرعون وغضبه . وتدل هذه الآية على أن كونه تعالى سميعا بصيرا صفتان زائدتان على العلم ؛ لأن قوله : إِنَّنِي مَعَكُما دل على العلم ، و أَسْمَعُ وَأَرى على السمع والبصر . فَأْتِياهُ فَقُولا : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ أي فأتياه في مجلسه وقابلاه وقولا له : إن الله أرسلنا إليك . وقوله رَبِّكَ إشارة إلى أن الرب الحقيقي هو الله ، وأن دعواك الربوبية لنفسك لا معنى لها . فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي أطلق سراح بني إسرائيل من الأسر ، وخل عنهم ، ولا تعذبهم بتذبيح أبنائهم ، واستحياء نسائهم ، وتكليفهم مالا يطيقون من السخرة في أعمال البناء والحفر ونقل الأحجار . وإنما بدأ موسى وهارون بهذا الطلب لأنه أخف وأسهل من الدعوة المباشرة إلى الإيمان بالله تعالى .