وهبة الزحيلي

214

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الله وعذابه . وقدم التذكر على الخشية ؛ لأن التذكر للمتحقق ، والخشية للمتوهم ، أي إن لم يتحقق صدقكما ، ولم يتذكر ، فلا أقل من أن يتوهمه ، فيخشى . يَفْرُطَ يعجل بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى علينا ، أي يتكبر ويزداد طغيانا إِنَّنِي مَعَكُما بالعون والحفظ والنصرة أَسْمَعُ ما يقول وَأَرى ما يفعل ، بل أسمع وأرى ما يجزي بينكما من قول أو فعل ، فأصرف شره عنكما . فَأْتِياهُ قابلاه مواجهة فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أطلقهم من الأسر ، ودعهم يذهبون معنا إلى الشام وَلا تُعَذِّبْهُمْ ولا تبقهم عندك معذبين بالتكاليف الصعبة والأشغال الشاقة كالحفر والبناء وحمل الأثقال ، وقتل الولدان ، وهذا دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ أي بحجة على صدقنا بالرسالة . وهي جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة . وإنما وحد الآية وكان معه آيتان ؛ لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها ، فالمراد : جنس الآية ، لا الإشارة إلى وحدة الحجة وتعددها . وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى أي السلامة من العذاب في الدارين ، لمن صدق بآيات الله الدالة على الحق كَذَّبَ ما جئنا به وَتَوَلَّى أعرض عنه . ويلاحظ أنه قدم البشارة بالسلام للترغيب وعملا بسياسة اللين المأمور بها ، ثم جاء التصريح بالوعيد والتوكيد فيه ؛ لأن العقاب مؤيد والتهديد مهم . المناسبة : بعد أن ذكر الله تعالى النعم الثماني على موسى في مقابل طلباته الثمانية ، ذكر هنا الأوامر والنواهي أو التوجيهات التي ينفذها هو وأخوه هارون ، كالتعليمات التي تعطى للرسل والسفراء والقناصل لدى الذهاب في مهمة إلى دولة أخرى ، للتوصل إلى نجاح المهمة ، وأداء الرسالة على أكمل وجه ، والخلاصة : أنه لما قال تعالى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي عقبه بذكر ما لأجله اصطنعه ، وهو الإبلاغ والأداء . التفسير والبيان : هذه هي الأوامر والنواهي الصادرة من الله لموسى وأخيه ، فقال تعالى : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي أي اذهب يا موسى مع أخيك إلى فرعون وقومه بحججي وبراهيني ومعجزاتي التي جعلتها لك آية وعلامة على