وهبة الزحيلي

180

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والتقدير : ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة . وإنما خص لِمَنْ يَخْشى بالتذكرة ؛ لأنهم المنتفعون بها ، وإن كان القرآن عاما في الجميع ، وهو كقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة 2 / 2 ] . ودليل العموم قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان 25 / 1 ] . ووجه التذكير بالقرآن : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعظهم به وببيانه . تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد نزل عليك تنزيلا من خالق الأرض والسماوات العليا ، والمراد بهما جهة السفل والعلو ، الأرض بانخفاضها وكثافتها ، والسماوات في ارتفاعها ولطافتها . والمراد بالآية : إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن ، ليقدروا القرآن حق قدره . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أي ومنزل القرآن هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، وهو الذي علا وارتفع على العرش ، ولا يعلم البشر كيف ذلك ، بل نؤمن به على طريقة السلف الصالح الذين يؤمنون بالصفات من دون تحريف ولا تأويل ، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ، فهو استواء يليق بجلال الله وعظمته ، بلا كيف ولا انحصار ، كقوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح 48 / 10 ] لأن الله تعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئا من الحوادث ، والعرش : شيء مخلوق ، لا ندري حقيقته . ويرى الخلف تأويل الصفات ، فيراد بالاستواء : الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل ، والعرش : هو الملك ، واليد : القدرة . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى أي إن الله